محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

201

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

من دقائق الشرك ، وغيّب عن نظرهم رؤية الخلق بما أشرق على قلوبهم من أنوار اليقين والمعرفة ، فلم يرجو منهم حصول منفعة ، ولم يخافوا من قبلهم وجود مضرّة ، فأعمال هؤلاء خالصة وإن عملوها بين أظهر الناس ، وبمرأى منهم . ومن لم يحظ بهذا وشاهد الخلق ، وتوقّع منهم حصول المنافع ودفع المضارّ فهو مراء بعمله ، وإن عبد اللّه تعالى في قنّة « 1 » جبل بحيث لا يراه أحد ولا يسمع به . وقد تقدّم من قول يوسف بن الحسين بن الرازي رضي اللّه عنه : « أعزّ شيء في الدنيا : الإخلاص ، وكم اجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي فكأنه ينبت فيه على لون آخر » . إستشرافك أن يعلم الخلق بخصوصيتك دليل على عدم صدقك في عبوديتك . الخصوصية هنا : ما اختص اللّه تعالى به بعض عباده من علم نافع ، أو عمل صالح ، وصدق العبودية فيه : أن يقنع بعلم اللّه تعالى فيه بحاله ولا يتطلع إلى أن يعرف بذلك أحد من الخلق ، فيشغله حينئذ الحياء من ربه والشكر له عن الاستشراف إلى معرفة الخلق بذلك ، ويغار على حاله من رؤية الأغيار له ، ولهذا فضل عمل السرّ على عمل العلانية بسبعين ضعفا كما ورد الخبر عن نبينا صلى اللّه عليه وسلم . وقال عيسى عليه السلام : « إذا كان يوم صوم أحدكم فليدهن رأسه ، وليمسح شفتيه ، فإذا خرج إلى الناس رأوا أنه لم يصم ، وإذا أعطى أحدكم فليعط بيمينه وليخفها عن شماله ، وإذا صلّى أحدكم فليسدل عليه ستر بابه ، فإن اللّه تعالى يقسم الثناء كما يقسم الرزق » . وقد سئل حكيم من الحكماء عن علامة الصدق ، فقال : كتمان الطاعة . وقال أحمد بن أبي الحوارى رضي اللّه عنه : « من أحبّ أن يعرف بشيء من الخير ويذكر به ، فقد أشرك في عبادته ، لأنّ من عبد اللّه تعالى على المحبة لا يحب أن يرى خدمته سوى مخدومه » . وقال الشيخ أبو عبد اللّه القرشي رضي اللّه تعالى عنه : « كلّ من لم يقنع في أفعاله وأقواله بسمع اللّه ونظره دخل عليه الرياء لا محالة » . وقال بعضهم : « ما أخلص أحد قطّ ، إلا أحبّ أن يكون في جبّ لا يعرف » . وقال سهل بن عبد اللّه التستري : « من أحبّ أن يطّلع الخلق على ما بينه وبين اللّه فهو غافل » .

--> ( 1 ) القنّة : الجبل الصغير . وقلة الجبل وقنة كل شيء : أعلاه ( ج ) قنن وقنان .